​​​​
سيبوني على جسر المسيب 


 كان في الثامنة من عمره. طفل ولد وتربي في احضان الجبال القريبة الى حلبجة. خرج من البيت ليرى جموع الشيوعيين يهتفون "يحيا الشعب . يحيا عبدالكريم قاسم". عرف الطفل الصغير بعد سؤال وجواب انه تم انقلاب عسكري في بغداد بقيادة عبدالكريم قاسم على العائلة المالكة .​​​​

 اهالي مدينة حلبجة كانوا منقسمين الى كتلتين. كتلة صغيرة قومية فيها المنتمين الى الحزب الديموقراطي الكوردستاني "بارتي" ومجموعة صغيرة من علماء الدين. اما الكتلة الاكبر كانت ممثلة الذين كانوا مع العراق الموحد وضد اي فكر قومي كوردي. هذا التألق بالعراق من قبل الكورد الشيوعيين لم يكن بسبب معرفة جيدة بالعراق ومالاتها بل كان انتماء ايديولوجي. واحسن دليل على هذا هي ما شاهده الطفل الصغير في مظاهرات الشيوعيين المناصرين لانقلاب قاسم. فهم كانوا يهتفون لعبد الكريم قاسم ولكن كان في ايديهم صورا لجمال عبدالناصر. بعد اسبوع واحد فهموا الشيوعيين الخطأ التكنيكي. صصحوا غلطتهم هذه عن طريق لصق صورة لجمال عبدالناصر على حمار ولكمه.

كبر الطفل الصغير واصبح في سن الخدمة العسكرية في الجيش العراقي.  هذا الشاب الكوردي الذي لم يرى ابعد من السليمانية في حياته ارسل الى المسيب. المسيب مدينة عراقية يشطرها نهر الفرات الى نصفين. يوصل الشطرين جسر من خشب. لم يكن يكن الشاب الكوردي سمع بالمسيب الا من خلال الاغنية المشهورة للمطرب الكبير ناظم الغزالي "على جسر المسيب سيبوني".

بدأ الشاب الكوردي خدمته العسكرية بالمدينة وتعارف مع اهلها. كان يزور احدى مساجد المدينة اينما وجد فرصة. اصبح صديقا قريبا الى الاهالي ومن بينهم امام المسجد. انهي خدمته العسكرية ولم تنتهي صداقته مع اهالي المسيب. مع بدا الحرب بين العراق وايران دعي الشاب الكوردي الذي كان ابا لطفلة واحدة مرة اخرى ليخدم بالجيش. هذه المرة قرر الكوردي ان لا يذهب وهاجر مع عائلته الى ايران. قتل مئات الالاف من شعبه على يد نظام بغداد. 5000  الاف من الضحايا كانوا من نفس مدينته: حلبجة.

بعد انهاء حكم بغداد في 1991 عاد المهجر الكوردي من ايران الى كوردستان.انقطعت علاقة كوردستان بالعراق وانتهت معها تواصل الكوردي العائد مع اصدقائه العراقيين في المسيب ولم يسمع عنهم. عن بغداد بعد الحرب الامريكية على العراق بسنتين, حصل عن طريق احد اصدقائه اخبارا غير سارة عن امام المسجد الذي عرفه بالمسيب. قتل الامام مع اثنين من ابنائه علي يد ميليشيات خلال المواجهات الطائفية التي اندلعت في 2005. فتل الكثير من الشيعة والسنة على شطرين الجسر في سنوات دامية لم تنتهي اثارها حتى الان. ففي يوم واحد, قتل سبعة سنة على يد ميليشيات شيعية انتقاما لسبعة شيعة قتلوا على يد جماعات سنية مسلحة.

فجر جسر المسيب في 2004  انفجرت معه اشياء كثيرة. اعيد تعمير الجسر من جديد لكن ليس بوسع الجسر الجديد ان توصل الكردي بالعربي والسني بالشيعي. اليوم لا يوجد كوردي –بمن فيهم الشيوعيين- يهتف للعراق ولا شاب كوردي يريد ان يذهب للمسيب او اي مدينة عراقية لاداء الخدمة العسكرية. ما زال الشباب يستمعون الي ناظم الغزالي ويغنون معه "تعيرني بالشيب وهو وقار" ولكن يعيرون كل كوردي يعرف نفسه كمواطن عراقي.

يمكن للعراقيين ان يعيشوا مع بعضهم البعض بدون ان يكونوا عراقيين. فالكوردي لا يرى العراق وطنا له. والسني لا يعترف بالعراق الحالي وطنا. كثيرون منهم هاجروا واخرون يختارون الدولة الاسلامية على الدولة العراقية والبغدادي على بغداد. الشيعة الذين يبدوا وكانهم المستفيد الاكبر من العراق بوضعه الحالي ليسوا اقل منتقدين من باقي المكونات فمقدساتهم تبقي في خطر ما دام السنة لا يشعرون بالرضا. 

 ان الحل الامثل لمشاكل العراق يكمن في انقسامه. فالعراقيين –رضوا بان يسموا عراقيين ام لا- يدفعون ثمن وحدة العراق. قبل مجيء قاسم ورقص الشيوعيين برفقة صور جمال عبد الناصر, كانت هناك فرصة للشاب الكوردي ان يعيش مع العربي سنيا كان ام شيعيا بسلام ولكن بعد ان فجرت جسور التواصل بينهم ليس هناك حل

الا ان يقول الكوردي للعربي والسني للشيعي: يا ايها الاخرون! سيبوني عل جسر المسيب! لي وطني ولكم وطنكم.